الأحد، 4 مارس 2012

تفاصيل مابعد الواقعة أو: كيف تنتهي المشاريع؟

لاحظت مؤخراً أن الرغبة في الرقص والحركة تزداد باضطراد عنيف مع التوتّر, أستطيع رؤية الموجات الصوتية الصادرة عن الجيتار الالكتروني بوضوح, دوائر ثلاثية الأبعاد متداخلة تشبه حدود الفقاعات, فقط مع إضافة راقصة رشيقة لمركز الفقاعة, -الميعاد قرّب-, وقشر اليوسفندي يطفو حولي في دوامات تتصل نهاياتها بأطراف أصابعي, يتحرّك المؤشر على الشاشة بشكل تلقائي بمجرد النظر, أصابع يدي اليمنى متورّمه, يداي الاثنان مثبتتان تحت فخذي كمحور ارتكاز بجوار مفصل الكتف, -أنا بردان-, أركّز نظري في احدى جوانب الشاشة حيث زر الإرسال, -ضغطة-, ينثر جيتار الباس رذاذه ناحيتي من جميع الاتجاهات بتواتر عشوائي, رأسي تتمايل مع المؤشر بشكل متسارع في كل أنحاء الشاشة, يجب أن أضبط أبعاد الحوائط في المبنى وفقاً للمخطط, -مدير المشروع بيعرّص-, تصلني رسالة تلو الأخرى تخبرني كم أنا "سيء" أو "غير جيّد" في انجاز عملي على حد التعابير المشوّهة لغويا لمدير المشروع الهندي, تقترب جرايس سليك من أذني اليمنى وتخبرني بكلمات ذات لحن متقطّع, -لمّا تلااااقي الحقيقة..-, مضت أيام لم أرمش فيها إلا عند الحاجة لإعادة تشغيل النظام, تنقسم جرايس سليك كما الأميبا وحيدة الخلية بشكل تكراري يشبه أوراق زينه رمضان, تلتف حولي في كل الاتجاهات وتغنّي, -..كدب-.

السبت، 7 يناير 2012

في اللامبالاة والنوايا... واللعب

قليل من التشكيل...
أقضي أوقاتي الآن في حالة من الخمول والحذر, في نوع من البلادة الذهنية الغير مجدية, المصاحبة لحالة التوتر الموسمي لفترة الامتحانات, كل هذا على النقيض التام لواقع السنة الفائتة, بالتأكيد ستتفق معي انها سنة استثنائية, سواء كنت تعني بذلك الأحداث الكبيرة في مجملها أو كما أعني أنا بتفاصيل أفعال صغيرة منفصله, سنة غريبة فعلاً, بعيداً عن الاعتصامات والمظاهرات والكر والفر والرصاص والموت لم يتبقى إلا القليل لبعضنا ليعيش معظم التجارب التي كان يستهلكها في الكتب أو الأفلام أو الموسيقى أو الألعاب في نطاق حرارة المدفأة أو التكييف, أعتبر نفسي محظوظاً لأني عاصرت أفعال طبيعية وحقيقية جداً من قتل ودماء واصابات وقتال وغناء واستغاثة وفقدان..إلخ, قد يبدو لك كلامي هذا أنانية أو جبن, لست بحاجة للدفاع عن نفسي, لا يهمني كثيراً ما تقول, فقد رأيت اناساً تموت بين يدي وأصدقاء لم أودعهم إلى آخره مما قد يحكيه لك أياً ممن نالت منه أحداث السنة الفائتة, أذكر ان هيتشنز -والذي مات الشهر الماضي- قال في احدى لقاءاته انالفضول أول اسباب رغبته في البقاء حياً, بالإضافة للمشاركة أو التعبير أو الانتاج أو الابداع.. أو أيا كانت طريقتك في تسميتها, وعلاقتي بأي شيء حالياً لا تتعدى الفضول, كنت أقرا عن طبائع الناس والنفوس والثورات في فضول, وما حدث لم يكن أكثر من محفّز لمزيد من الفضول, ومزيد من الاشفاق والحزن, على كل العلوق والناس الطيبه, وما يبدو انه آت من شؤم ولحظات اضطهاد وجوع... لا يشغل بالي الآن إلا ما قد يتوجّب علي فعله وسط كل هذا.

السبت، 31 ديسمبر 2011

[لعبة] التعرّض


يبدو أن أحد أولياء الله الصالحين دعا لي أن أٌكمِل مشروعاً شخصياً واحداً على الأقل هذه السنة، حتى وإن كان قبل ساعة أو ساعتين من بدأ العام الجديد.
التعرّض لعبة قصيرة جداً أتممتها كمشاركة في (زنقة تاكو الألعاب) التي أٌقيمت في منتصف شهر ديسمبر، أنهيت نصف اللعبة في يومين والنصف الآخر في أيام متفرقة على امتداد هذا الأسبوع بمساعدة أحمد منير -إيفان- (يمكنك مشاهدة فيديو ملخّص يومي الزنقة وتسجيل تجوّل كامل للعبة بالأسفل)، اللعبة تجريبية، مجرد اختبار لجدوى بعض تقنيات الرواية في حدود التفاعل المتوفّر في الألعاب.
عاماً سعيداً للجميع.

الأحد، 11 ديسمبر 2011

المملكة المثالية


2 لـ"كورين شادمي"

لاحظت تواً أن ساعة يدي توقفت عن العمل, بالدليل, في الساعة الواحدة والنصف, إلا دقيقة... افترضت ان في هذه الدقيقة يقع عالمي المثالي, كنت قد ظننت أني تعافيت من هذا الهوس بالكمال, لكن بقيَت دقيقة لأتخيّل فيها كيف سيكون هذا العالم...

كبداية, من المؤكد أن الثواني الأولى لن أقضيها في تخيّل هيئة هذا العالم كما أفعل الآن, ومن المؤكد أني لن أتردد في التشكيك في حقيقة أياً مما ظهر من هيئته كما يبدو أني أفعل الآن, ومن المؤكد أيضاً أني لن أندم على الثواني الضائعه بعد أن أتأكد من أن ما تأكدت منه سابقاً لم يكن حقاً... مؤكداً, ومن المؤكد أنه لا مؤكد إلا في مملكتي المثالية تلك التي لم تأتي دقيقتها بعد, حينها ربمّا أدركت أنه يتوّجب علي الإكتفاء بالتخيّل...

ربما إذن, أتخيّل الجميّع متفهّمين, ليس الجميع ربما, فقط من حولي, المستعدين للعب, مبتسمون ربما, نمارس الأفعال بلا اعتراض, نرسم على الطرقات ربما أو نصنع الدمي, نتلاعب بالحبال أو نستريح قليل على الشاطئ, هواء نظيف أيضاً, ليس شرط, فقط لطيف, لا مانع من تجربة القليل من الأشياء الاعتيادية, القليل منها فقط, ربما حينها لن تكون كذلك, بدون الحاجة لمطاردة سكون الآخرين...

الأحد، 20 نوفمبر 2011

العلوق

الأهم الوجه
فكّرت في هؤلاء بلا داعي, وسألت مداعباً الصغير القابع في رأسي عن ما يتحدث عنه من لا يحدث في حياتهم شيء إذا اجتمعوا, بالطبع لم تتطلب الإجابة الكثير من التفكير, فهم حولنا في كل مكان, لو قدر لك أن تراهم أو الأسوأ -والمؤكد- أن تحادثهم أو تتعامل معهم فلا تتسامح, لا تبتسم.
اعتدت أن أطيل النظر بصمت ربما مع ابتسامة تجاهل, كنت أسمعهم يتحدثون في الدين, في السياسة, في الاقتصاد, في فضائح المشاهير, في كرة القدم. سيتقاذفون الأسماء في مشهد كوميدي, سيتعاملون مع الألفاظ بحرفية تامة وبتقديس غير مفهوم - حتّى لهم, بعضهم سيتّخذ مواقف معينة فقط من أجل لفت الانتباه, أو تأكيد ذاته الفارغة, سيحادثونك كثيراً, وستبتسم, وستكون الكلمات الختامية معاكسة تماماً لما خاطبك به حين لاحظك على الطرف الأخر من الطاولة, فقط طالما هناك مكان لرمي بعض الكلمات.
أصوات بلا جدوى, يشابه في أذني صوت أحد أقراننا من الحيوانات الأخرى, بالتأكيد هي أصوات تلك التي يصدرونها, لكنها لا تختلف كثيراً عن صوت عراك القطط في الخرابة المقابلة للقهوة التي قد نكون جالسين فيها, بعضهم سيطلق شعر ذقنه ليعظك ويحدثك عن الآخرة والجنة والحور العين الذين ستتمكن من فعل ما تشاء معهم بلا ملامة, سيجري ريقه حين يحدثك عن هذا النعيم وكأنها أقصى أحلامه القاصرة, سيتطاير هذا الريق عليك فيما بعد على شكل رذاذ حين تبتسم له وانت تفتح احدى كانات بيرة هاينكين, سيعظك, سيعظك ويهددك بسم الله, قد يتركك غاضباً, وحينها ستنعم ببعض الهدوء, لكن حينها سيأتي الآخرون, بعضهم سيطلق شعر رأسه, سيحدّثك عن الحياة وكيف أننا نعيش في بلد بنت وسخة, وسيبصق على الأرض مرتين قبل أن يُدخل مبسم الشيشة في فمه كقطعة اكسسوار جديدة تضاف إلى المهرجان الذي أحاط به نفسه, نفس أو نفسين لينهال عليك بعدها سيل من الأسماء والاصطلاحات, سيحادثك بلغة غرائبية وابتذال مطلق, ستبتسم له أيضاً, أو ربما تبادله بعض الحديث اذا سمح, وسيغادر, حينها ستجلس وحيداً بلا أدنى رغبة في فعل أي شيء.
يتقاتل العلوق وقدر آخر أقل علوقيه الآن, وأُناس تهتم, مات من مات وفقد آخرون أعينهم, يتوسط كل هؤلاء الزياط والهرولة, تحوّلت لحرب حقيقية, العلوق يحاصرونهم في كل مكان, وهناك آخرون, لا يهتمون, وآخرون ينتقمون فقط, هؤلاء لا يفكّرون في نتيجة, سيستغرقون أقل من ثانيتين للتفكير في الأمر, كما أفعل أنا حين يتوجّب علي التعامل مع العلوق, هم موجودون, وعليك التصرّف, عليك التعامل معهم, كنت أبتسم بلا مبالاة وأصمت إلى أن ينتهوا من خرائهم, لكن الأمور تغيّرت, أصبحت حرب, وهناك من يموت, لسبب ما, لسبب يستهويك, تنتابني الرغبة في فعل أي شيء, هذه المرة فقط, لا لهدف ما, حتى الدوافع هنا لا أهمية لها, فقد أخبرتك أني اكره الألفاظ المقدسة, ومعها الأهداف السامية, لا أصنّف الأمور بخيرها وشرها, لكن هذه المرة أستطيع أن أرى العلوق يتصرفون, ولا جديد في الأمر, إلا انها, كما أخبرتكم, أصبحت حرب, ربما كانت حرباً منذ بدأ الخليقة, لكني لم أهتم, اختلفت الأمور الآن لسبب أو لآخر, لا تتسامح, لا تبتسم, لا تهتم أيضاً لكن تصرّف, إذا تفاديت الجميع ستجد نفسك في ممر ضيّق, سيزداد ضيقا طالماً تكوّمت وابتسمت, إذا قررت إكمال السير هكذا فستنحشر عاجلاً أن آجلاً, قد لا يُجدي مد الأذرع, فالعلوق كثيرون ولهم الغلبة كما يحكي لنا التاريخ, أتدري؟ لا يهم أيّا من هذا, كل ما يهم أني أريد أن أُكمل لبعض الوقت, من المؤكد أن هناك ما يستحق الإكمال, ولكن لا مانع من بعض الانتقام, فهناك العلوق, هم موجودون, وعليك التصرّف.

الاثنين، 17 أكتوبر 2011

مفقود في الاعتياد [1]


تخيّل الآن أنك في غرفة صغيرة بها كل ما تحتاجه للمبيت, جالساً على كرسيك البلاستيكي وبيدك احدى الألعاب التي اقتنيتها عندما كنت صغيراً, فلتكن دمية أو كرة كفر أو... أياً كانت, شيء يجعلك تتذكر تلك الأيام, شيء يجعلك تغمض عيناك لثوان لتهز رأسك بشدة بعدها وتصفع جبهتك, الآن تخيّل معي ان أحداً ما متربعاً على السرير الذي أمامك, أياً كان هذا الشخص, فلتكن أول حبيبـ/ـة, أو أول صورة/بوستر استمنيت عليه, المهم أن يجعلك وجه هذا الشخص تشعر بالبرودة ليرتعش جلدك في ذات الوقت الذي ستحمر فيه وجنتاك لتتوقف عن التنفس للحظات, الآن يجب أن تدرك أن اللعبة التي بيدك لم تجعلك صغيراً مرة أخرى, وأن الشخص المتربع أمامك في الأرجح ليس على الحالة التي تراهـ/ـا بها الآن, في احدى أطراف الغرفة وعلى مكتبك الخشبي الصغير يوجد جهاز التسجيل الذي اعتدت سماعه حين كنت في المدرسة, أيضاً سترى بعض مجلات الكوميكس التي اعتدت أن تقرأها حينها, ستشغّل التسجيل وتضع شريط أغنياتك المفضلة, أيضاً بجوار المكتب وعلى كومودينو صغير يوجد تلفاز يعرض سلسلتك المفضلة, في يدك الأخرى الآن احدى الفواكه التي أحببتها بهوس, يجب أن أنبهك الآن أنك تحدّث الشخص المتربع على سريرك, لقد تحدثتم كثيراً, لكنك لم تكن تستمع, الآن استمع...

الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

الزائر ‘ع‘ [#5]


(5)
الأُلفة


رأيت في طريقي إليك اليوم قطة, كانت جالسه على احدى الكراسي الملقاة على طرف الطريق, كان بجوارها ظل كبير حي يتحرك بتثاقل, ربما كان رجلاً عجوزاً, لست متأكداً, كانت جالسه بارتخاء تلعق ظهرها, لاحظتها لثواني قبل أن أمضي في طريقي إليك, بالتأكيد تعرف الأسطورة الشعبية حول القطط, أعني أن القط بسبع أرواح, وفي أقوال أخرى تسع, لا يهم العدد, فحياة القط لا تتعدى السبعة عشر عاماً, لكن أظن أن هذا القط لا يكترث بك, لديه أرواح كافية ليشعر بالملل منك, لو كنت قطاً لما اضطررت للتفكير في سعيد الآن, ذلك العجوز الشريد, أرسلته بيدي لدار المسنين وتكفّلت بنفقاته, أتدري؟ لا أشعر بأي رضاً عن نفسي الآن حين تخبرني بمصيره, ربما كان هو الظل المتحرك بجوار القطة, لم ألحظه, لن ألحظه بعد الآن بفضلك, لماذا اتيتني الآن؟ لازلت صغيراً كما ترى, لست كسعيد, سعيد كان كبيراً, عاش ورأى الكثير, أو هذا ما رأيته في تجاعيد وجهه, كنت أرغب في السفر حول العالم, أريد أن أجرب كل شيء, حياتنا قصيرة كما تعلم, لكن من الظلم أن تأتي الآن, لم أرتكب أي جريمة, أتدري؟ أنا أحقد عليك, فأنت لا تحتاج أي مبررات, وجودك نفسه لا مبرر له, كأي شيء في هذه الدنيا, نعم, لكنك لا تسمعني الآن حتى, يا ترى كيف كان سعيد حين قابلته؟ هل حكى لك قصته مع تحية وفريد أيضاً؟ كيف انه قابلها بالصدفة في احدى بارات القاهرة عام 36؟ لم أصدقه طبعاً, لا أظن انه كبير لهذه الدرجة, جدي أصغر منه, كنت أظن دائماً ان جدي أكبر الأحياء, لكن ما الذي أعرفه أنا عن الأحياء؟ لقد أثبتت لي اليوم أني كنت مخطئاً طوال الاثنين وعشرين سنة التي قضيتهم هنا, لا أمتلك قصصاً لأحكيها لك كما فعل سعيد, ربما كان يشعر سعيد بالسعادة وهو يحكي لكن عن تحية وفريد, ربما كان يختلق كل هذه القصص, فتحية هي بائعة الخضار في الشارع المقابل, وفريد فرّان في فرن المنطقة, لكنه يمتلك خيالاً واسعاً على الأقل, ليتخيل كل هذه الأحداث, أتدري؟ لقد صدقته, كانت عيناه صادقتان, كان جسمه يهتز كلما أخبرني عن تحية, كان يبتسم بهدوء حين يحدثني عن فريد, كان يخبرني أن أي شخص دونه مخطئ, كنت وحيداً, كان وحيداً حين قابلته أيضاً, أتدري؟ لقد حلمت كثيراً اني جثة متعفنة وسط الصحراء, وأن النسور تنتشل عيناي, لهذا لست حزيناً لوجودك معي الآن, كل ما اريده هو فرصة لأعيش حياة أفضل, هل ستخبرني ماذا سيحدث بعد أن تتركني؟ لست واثقاً, لهذا أنا خائف, دائماً أخاف مما لا أعرفه, أخبروني أن هذا شيء طبيعي, لكني كنت جباناً ايضاً, لهذا أحقد على القطط, فلديهم أرواح احتياطية, يمكنهم تجربة ما يشاؤون, إلى أن تتبقى روح واحدة, حينها سيجلسون كالقط الذي رأيته باكراً, ليلعقوا ظهورهم في انتظارك على الطريق, أظن أن لديهم الكثير ليحكوه لك أيضاً, لكني كنت خائفاً, لم يخبرني أحد أني أستطيع فعل كل هذه الأشياء, كنت أظن أنها موجودة فقط في الكتب والأفلام, لهذا ليس لدي الكثير لأحكيه لك مثل سعيد, لكن ربما سأخبرك بقصة متأكد أنك تعرفها, عن اثنين من مغنيي المفضلين, بادي هولي و ريتشي فالينز.

الأربعاء، 28 سبتمبر 2011

الصغير القابع في رأسي

حكي والله أعلم أنه فيما يعيه الكون من عوالم موازيه وأزمان لا علم لنا بها مملكة تغرق في أمواج من النعيم, مسجور بحرها بالحكم, مملوء برها بالصهللة والانبساط, حيث لا يوجد ملوك أو بنوك... همممم, انتظر, أعتقد انه من الأفضل أن أتحدث بطبيعية, كنت أظن ان استخدام أسلوب عفا عليه الزمن قد يضفي بعضاً من الحميمية, كون ما سأكتبه الآن مجرد أفكار شخصية جداً, لكن يبدو انها لاتنفع في هذه الحالات, لأني جاد جداً في كل ما سأكتبه الآن والذي قد يبدو هلوسة للوهلة الأولى, هذه المرة أدعوكم إلى المملكة الصقرية, هي المملكة المثالية, لي, هو الكون البديل الذي شارك جزء كبير من أحلامي الواعية (Lucid Dreams) في تكوينه, هي هواية اكتسبتها دون قصد في طفولتي, كنت أحب دائماً إختراع بدائل, بديل للتلفاز (في هذه الحالة قطعة كرتون صغيرة مفرغه أدخلها لأتقمص فيها دور المذيع أو بطل مسلسل كرتوني أو غيره مما قد أشاهده على التلفاز), بديل للمجلات المصورة التي كنت أقرأها منذ السابعة (مجلة كريم, كانت مجلة نقوم بكتابتها واعدادها أنا وأخي وابن خالتي -قد أتحدث عنها في تدوينه مستقبلية-), وألعاب بديلة أيضاً, في الحقيقة اعتدت أن أملأ حياتي بالبدائل.

السبت، 24 سبتمبر 2011

الزائر ‘ع‘ [#4]

<-- (3) السمكة الصفراء

(4)
أسرار


كم كنت ساذجاً وقتها, كنت أعطي التوجيهات لعماد بالرغم من كوني تائهاً اصلاً, لا أريد أن أبدو اقل "نصاحة" و"فهلوة" منه, أظن أن الشعور الضمني بالمنافسة بيننا بدأ في هذه السيارة, كنت أحدّثه بهدوء مصطنع محاولاً تفادي النظر في عيني المرأة الجالسة بجواري, طبعاً فأنا مشغول بتوجيه عماد, أو بالأصح, أصطنع انشغالي بتوجيه عماد, كما اصطنعت انشغالي عن أشياء كثيرة في حياتي, العجيب أني لم أكن أندم على تصرفاتي هذه, كنت أجد المبررات بسهولة, حالتي كانت تدعو للحزن والندم, لكني تتبعتها, لم أكن أدري ما أفعل حينها, تعلّمت حينها أن الأشياء المثيرة تقبع في الجانب الغير مخطط له من الحياة, لو أدركت ذلك لما أتيت للقاهرة من البداية, كنت سأخرج على قدمي تجاه أكثر الجوانب سكوناً من مدينتي, لما شغلني طموحي بالعمل والدراسة في القاهرة, لكني أتيت, سأدرك كم كنت مغفّلاً فيما بعد, لكن عماد في الكرسي الأمامي في السيارة, أعتقد أنه لم يكن بحاجة ليفكر في الأمر ليدركه, كنت أحسده على عفويته, لا يسمح لعقله أن يتدخّل ابدا في رغباته, لا يسمح لعقله أن يتدخل في أي شيء في حياته, قد يحتاج عقله في حساب إيراد دكانه الصغير المطل على بيت أم سعيد, لكن لم يحتاجه أبداً في تقرير إن كان سيأتي لمحادثتي حين يجدني متسمراً امام بيتها, أو في تقديمي لأصحاب البيت, أو في سواقة السيارة التي نركب فيها حالياً, لا أعتقد انه يفكر في أي شيء حالياً, لم أكن أصدق أن أمثال عماد يبتسمون حين يفكّرون, أرى ابتسامة هادئة كبيرة على وجه عماد الآن, لهذا لا أعتقد انه يفكر, لم أكن أفكر أنا أيضاُ في أي شئ, كنت خائفاً, كنت مروّعاً, من هؤلاء؟ لقد قابلت عماد لتوي, لقد قابلت سمية لتوي أيضاً, ماذا حدث؟ كيف أصبحت بجوارهم الآن نتبادل الابتسامات؟ لم أشرب غير كأس واحد, لم أشعر بأي تثاقل أو ارتخاء, لم أكن سكراناً بالتأكيد, لكنّي تتبعتها, هذا حدث من دون تفكير أيضاً, لهذا أنا معهم الآن, ربما لو لم أفكر أيضاً حين ناداني عماد لكنت هربت, لكني لم أهرب, فقد كنت أعتبر نفسي عضواً صالحاً في المجتمع, وأمثالنا لا يهربون, هذا ما أخبروني به على الأقل, لكني سأكتشف أيضاً أن الأعضاء الصالحة في المجتمع هم أول الهاربين, سأكتشف أشياء كثيرة أيضاً بعد هذه الليلة, أو هذا النهار, لا تهم التفاصيل كثيراً, فعماد أصلاً ليس عماد, ولا سامية سامية, لا أدري أيهما حقيقي وأيهما من صنع خيالي, لكن بالتأكيد سامية تلك غير سامية هذه, بالتأكيد سعيد ذلك غير سعيد هذا, لا تهم الأسامي, لا أدري لماذا أتذكر سامية وعماد بهذا الشكل, أنا في حالة غريبة الآن, أعي جيداً أني أهلوّس, من حولي أخبروني بذلك, لم أعد أهتم, لكن هذه الذكريات, أتذكر هذه اللحظات, لازلت أشعر بمداعبة الهواء لوجهي وأنا في السيارة مع سامية, أصبحت أسمع هفيف الهواء أيضاً, لا أظن أني كنت ألاحظه حينها, لكنه بقى في ذاكرتي مع الأشياء لحين أتمكن من سماعه, الأصوات دون كل الأشياء لا يمكن إعادة اختلاقها, محاولة وصفها نوع من العبث, لكنها تبقى في ذاكرتك دون أن تدري, إلى أن تسمعها مرة أخرى, كالسكين ستخترق آذانك ككيس رمل, ستنثر حياتك كحبات الرمال أيضاً, ستنقلك إلى اللحظة التي سمعت فيها هذا الصوت لأول مرة, لن يكون الصوت حدثاً مهما في ذاكرتك, لكنه سيكون المفتاح الضائع للجانب المظلم من ذاكرتك, هذه حالتي الآن.

الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

الزائر ‘ع‘ [#3]

<-- (2) أم عبده
(3)
السمكة الصفراء


الساعة الرابعة صباحاً, وأنا بخير الآن, في غرفتي الخاصة بدار المُسنين, غادَرَت سامية الغرفة منذ قليل, تركتني لأستمع لصرير الفجر, ذلك المزيج بين عرير الصراصير ونقيق الضفادع وما شابه من كائنات, هناك أصوات لبعض العصافير أيضاً, كنت قد ظننت أني اعتدت على سماع هذا الضجيج حتى أصبح جزءاً من تركيبة أذني, ألحظ اختفاءه ولا ألحظ وجوده, كنت هكذا حتى فترة قريبة, حتى أتيت إلى هذا المكان, حينها أصبحت أسمعه بنقاء, حينها أكتشفت ان هذه الأصوات كانت جزءا من حياتي طوال كل هذه السنين, أصبحت أحلم بهذه الأصوات مؤخراً, أسأل اصدقائي إن كانوا يسمعوها هم أيضاً, كنت أعتقد انهم مثلي, لكن يبدو أني عشت حياة أكثر إثارة, استنتجت هذا لأني أفتقدها, أجدهم مرتاحين, في حالة من الهدوء, كنت أظن انها اصطناع, كنت أنتظر انهيارهم, لم أسمع أحدهم يهلوس أبداً, أصبحوا يتندرون على حديثي معك, لم أرى أحداً فيهم يبكي أبداً, لم أري أحد فيهم ينظر إلى بصدق, كانوا بلا أرواح, لقد أخبرتك ياصديقي, أنا بلا روح أيضاً, لكنّي أنتظرها, هم لا يكترثون, كأن كل هذه السنين لم تمر, لماذا جعلتني أتذكّر؟ ربما هم لا يتذكرون, ربما لهذا السبب هم سعداء, أنت تعلم جيداً أني أخرّف, لماذا أتذكر فقط الأشياء السعيدة في حياتي؟ هذا يجعلني أحزن الآن, أعلم, راودني هذا الشعور طوال عمري, حين كنت شاباً تمنيت أن أعود طفلاً أيضاً, حين كنت أباً تمنيت أن أعود شاباً أيضاً, لكني كنت سعيد, لماذا تغيّر كل هذا؟ أنت تعلم أني لم أعرف عماد إلا عندما جئت إلى هنا, لم أعرف هذه السمكة الصفراء النائمة في ركن الغرفة إلا مؤخرا أيضاً, أحضرتها سامية لتزيل عني شعور الوحدة, هل سمعت عن الأسطورة الشعبية التي تقول أن السمكة ذاكرته قصيرة؟ لقد بدأت أصدقها, أرى نفس التعبير وحركة العيون على السمكة كل صباح, تقوم بنفس الحركات في نفس الظروف, أعتقد انها لا تتذكر حتى انها في قفص زجاجي الآن, لا تتذكر انها وقعت في شباك صياد ما, لا تتذكر انها كانت في البحر يوما ما مع رفاقها, أو ربما انها تربّت أصلا في احدى مزارع الأسماك, كل هذه الأشياء لا تهمها, كل هذه الأشياء لا تتذكرها, لكني أتذكر, لماذا جعلتني أتذكر؟ لماذا جعلتني حزين؟ لقد أخبرتك من قبل أني سعيد بوجودك, حسناً, لقد كذبت, أعني... كنت صادقاً حينها لكني كنت أهلوّس, لم يذهب عماد معي إلى الحفلة تلك, كان أحداً آخر, لا أتذكر اسمه, اتذكر ما فعله, لكن عماد موجود, عماد يذكّرني به, لماذا يذكّرني عماد به؟ هل أذكره أنا بشخص آخر؟ هذا ليس عدلاً, لماذا أتذكر سامية أيضاً؟ عرفتها هنا؟ لم تكن مومس, ممكن, كان من الممكن أن تكون مومساً في ظروف اخرى, لكن لماذا أتذكرها؟ أنا لم أعرفها حتى الآن, كيف أتذكرها عارية على سريري وأنا عجوز؟ كنت أظن ان هذا الشغف بالأجساد العارية سينتهي يوماً ما, أنا في آخر عمري, لماذا أحتفظ بهذه العادة؟ لقد شغلت بالي, كنت أتمنى بعض السكون, سأتوقف عن السؤال, يوماً ما ستأخذني معك إلى ذلك المكان الذي تذهب إليه كل يوم حين أنام, انت تتركني حين انام, أليس كذلك؟ لماذا قد تبقى؟